الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
352
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ووجد عندها قوما أي مجموعة من الناس فيهم الصالح والطالح ، هؤلاء القوم هم الذين خاطب الله ذا القرنين في شأنهم : قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا ( 1 ) . ويرى بعض المفسرين في كلمة ( قلنا ) دليلا على نبوة ذي القرنين . ولكن من المحتمل أن يكون المقصود بهذا التعبير هو الإلهام القلبي الذي يمنحه الخالق جل وعلا لغير الأنبياء أيضا ، هذا وليس بالإمكان انكار أن التعبير الآنف الذكر يشير بالفعل إلى معنى النبوة . بعد ذلك تحكي الآيات جواب " ذي القرنين " الذي قال : قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا ( 2 ) . أي إن الظالمين سينالون العذاب الدنيوي والأخروي معا . وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى . وسنقول له من أمرنا يسرا . أي أننا سنتعامل معه بالقول الحسن ، فضلا عن أننا سنخفف عنه ولا نجعله يواجه المشاكل والصعاب ، بالإضافة إلى أننا سوف لن نجبي منه ضرائب كثيرة . والظاهر أن ذا القرنين أراد من ذلك أن الناس سينقسمون مقابل دعوتي إلى التوحيد والإيمان والنهي عن الظلم والفساد إلى مجموعتين ، الأولى : هي المجموعة التي سترحب ببرنامجه الإلهي ودعوته للتوحيد والإيمان وهذه ستجزى بالحسنى وستعيش حياة آمنة ومطمئنة . أما الثانية : فستتخذ موقفا عدائيا من دعوة ذي القرنين وتقف في الجبهة المناوئة ، وتستمر في شركها
--> 1 - يظهر أن جملة إما أن تعذب . . . استفهامية بالرغم من أن ظاهرها أنها جملة خبرية . 2 - " نكر " مشتقة من " منكر " بمعنى الشئ المجهول ، أي العذاب المجهول الذي لم يمكن تصوره .